السيد محمد حسين فضل الله
214
من وحي القرآن
يستوعب قومه في أجواء عاطفيّة تثير الأمل في نفوسهم ، وتوحي بالإيمان بأفكارهم . وربما بدأوا يلتفّون حوله تحت تأثير تلك الأجواء ، وربما رأى قوم فرعون بعضا من هذا الالتفاف العاطفي الجديد ، وربما سمعوا عنه شيئا من جواسيسهم ، إن لم يكونوا قد رأوه ، وأخذوا يفكرون ماذا يفعلون بهذا التطور المخيف ، وكيف يواجهونه ليقضوا عليه في بداياته الأولى ؟ وكان هناك حديث بينهم وبين فرعون لإثارة ضدّ موسى وقومه ، وقد لا يكون بحاجة إلى مثل هذه الإثارة ، لأن صدمته العنيفة كانت كفيلة باستثارته على المدى الطويل . * * * منطق الطغاة من الحاكمين وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ؟ وذلك هو منطق الطغاة من الحاكمين في ما يثيرونه من قضايا الإصلاح والإفساد ، فينظرون إلى كل عمل يدعم حكمهم أو نظامهم ، ويهيّئ له سبل الاستقرار والاستمرار ، على أنه من أعمال البناء والإصلاح ، وينظرون إلى أيّ عمل ينقضه ويعمل على تغييره ، ويساهم في إثارة الأجواء ضده ، ويتحرك باتجاه زلزلة قواعده وهزّ أركانه ، على أنه من أعمال الهدم والإفساد . . . وفي ضوء هذا ، كان هؤلاء القوم يعتبرون الدّعوة إلى توحيد اللَّه ، ونبذ الشرك ، ومحاربة الطغيان ، والقضاء على الظلم ، وغير ذلك من المفاهيم الرسالية التي يدعو إليها موسى ، ويسير عليها مع المؤمنين من قومه ، إفسادا في الأرض ، لأنه إطلاق من أجل التغيير الذي لا يبقى معه أحد من أصحاب الامتيازات الزائفة الظالمة ، ولا يذر أيّ إله في الأرض غير اللَّه ، سواء كان فرعون ، أو ما كان يعبده من آلهة وأصنام . وهذا ما أراد قومه أن ينذروه به . وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ في وحدة موحشة قاتلة ، ليس معك أحد من هؤلاء الذين كانوا